شك أن قليلين في المغرب يعرفون أن المنتخب الوطني لألعاب القوى يتوفر على أبطال يتخصصون في رياضة اشتهرت على الخصوص في أوروبا وأمريكا، إنهم أبطال لعبة القفز بالزانة، هذه الرياضة التي كانت إلى وقت قريب من سابع المستحيلات بالنسبة للرياضيين المغاربة لعدم وجود بنيات تحتية وأطر متخصصة في هذه اللعبة الصعبة.. لكن منذ سنة 2000 رفع الإطار الوطني حسن أوجهو التحدي وأخذ على عاتقه مهمة تكوين جيل جديد يتكون من أبطال بمقدورهم رفع الراية المغربية عاليا في المحافل الدولية .. وبالفعل لم تمض إلا أربع سنوات من انطلاق مهمته حتى تمكن من إبراز أبطال أهدوا المغرب عدة ميداليات عربيا وإفريقيا..
كانت البداية سنة 2003 حيث أول عداء في تخصص القفز بالزانة يلج المعهد الوطني لألعاب القوى وهو محمد كربيب الذي في ظرف وجيز حقق أرقاما كانت فيما مضى تعتبر خيالية فتمكن من قفز علو خمسة أمتار و45 سنتمترا وهو رقم قياسي وطني وعربي وكان قريبا من تحقيق الحد الأدنى المؤهل لبطولة العالم والألعاب الأولمبية لكنه فضل إتمام مشواره في الديار الأوروبية.
رحيل هذا البطل لم يحدث فراغا لممارسي هذه الرياضة بل كان الخلف جاهزا في عدة أبطال أبرزهم حاليا ولأول مرة عنصر نسوي يتمثل في بطلة المغرب والعرب وإفريقيا نسرين دينار وزميلها سمير مفهوم.. هذين الأخيرين التقاهما "العلم الرياضي" في إحدى الحصص التدريبية وكانت الدردشة التالية:
بداية الاكتشاف:
بداية تقول نسرين دينار إنها لن تنسى ذلك اليوم الذي طرق فيه المدرب حسن أوجهو باب منزل أبويها وأقنع والدها بممارسة رياضة القفز بالزانة لأنه يرى فيها بطلة قادرة على تحقيق أفضل الإنجازات بعدما رأى مهاراتها الجيدة في لعبة الجمباز التي تعد من المهارات الأساسية لممارسة هذا التخصص.
وتضيف نسرين التي كانت مترددة في بداية الأمر أن والديها اقتنعا بالفكرة وشجعاها على المضي قدما في مشوارها الرياضي الجديد. وبالفعل أخذ حسن أوجهو بيدها وهي في سن 15 ومن تم كانت الانطلاقة الفعلية مع الأرقام القياسية والميداليات الذهبية مع أول مشاركة لها.
وتفتخر نسرين بكونها أول عنصر نسوي يمارس هذه الرياضة في المغرب وتحقق فيها إنجازات متميزة.
وينضم مفهوم إلى الحديث ويقول إنه لم يكن يتوقع في يوم من الأيام أن يكون ممارسا لهذه الرياضة الغير معروفة في المغرب لكن مع التشجيع الذي لقيه من مدربه أحبها وصمم على المضي قدما فيها وبالفعل لم يخب ضنه فيها وكان له النصيب هو الآخر من الميداليات والألقاب.
تحدي كل العراقيل والصعوبات:
على غرار كل الأنواع الرياضية ببلادنا لم يختلف حال أبطال القفز بالزانة عن كل الأبطال المغاربة من حيث مواجهتهم للصعاب .. وفي هذا الصدد تقول نسرين وسمير إنهما واجها عدة عراقيل للوصول إلى ما وصلا إليه الآن ولعل أبرز هذه العراقيل غياب تجهيزات حديثة وقلة المنافسات في هذا التخصص والأدهى من ذلك عدم ثقة البعض في مؤهلاتنا وقدرتنا على تحقيق الانجازات الوطنية والدولية.. لكن مع كل ذلك تغلبنا على هذه الصعوبات بعزيمتنا القوية وإصرارنا على خوض التحدي وإثبات أنفسنا كأبطال في هذه المسابقة التقنية .
التوفيق بين الدراسة والتداريب:
عكس العديد من الرياضيين الذين لا يستطيعون التوفيق بين مشوارهم التعليمي ومشوارهم الرياضي تمكن أبطال مدرسة القفز بالزانة من تحقيق هذه المعادلة الصعبة ويكفي التذكير بأن نسرين دينار هي طالبة جامعية وزميلها سمير مفهوم حصل لتوه على شهادة الباكلوريا، هذا الأمر أسعد كثيرا رئيس الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى عبد السلام أحيزون الذي هنأ البطلين بإنجازهما سواء في تخصصهما أو في دراستهما.
وعن كيفية التوفيق بين الدراسة والتداريب تقول نسرين إنها وزميلها سمير وباقي أعضاء فريق القفز بالزانة بقيادة المدرب حسن أوجهو يتدربون في أوقات ما بعد انتهاء الحصص الدراسية أي ما بين الثانية عشرة زوالا والثانية بعد الظهر وفي المساء وأيضا في يومي العطلة الأسبوعية وفي الأعياد.. ورغم كل هذه المشاق تضيف نسرين أنها وباقي زملائها يتحملون ذلك في سبيل تحقيق أهدافهم المتمثلة في رفع العلم المغربي.
مشاركة متميزة ورقم قياسي عربي في الأردن:
من بين أبطال دول عربية كثيرة شاركت في البطولة العربية لألعاب القوى في الأردن تمكن البطلان نسرين وسمير من إهداء المغرب ميداليتن (ذهبية للأولى وفضية للثاني) علما أن فريق القفز بالزانة سافر إلى الأردن بعداءين وفاز بميداليتين ، بل أكثر من ذلك تمكن المغرب بفضل نسرين دينار (19 سنة) من تحطيم الرقم القياسي العربي في هذا التخصص حيث قفزت نسرين علو أربعة أمتار أي بفارق 20 سنتمترا عن القم السابق الذي كان بحوزة التونسية سيرين البلطي (25 سنة) (ثلاثة أمتار و80 سنتمرا) هذه الأخيرة لم ترغب في مواجهة نسرين لعلمها المسبق أنها لن تقدر على نزع الميدالية الذهبية من البطلة المغربية.
وبدوره كان البطل سمير مفهوم قريبا من إحراز الميدالية الذهبية لكن لسوء حظه تكسرت زانته في المراحل النهائية التي استغرقت أزيد من خمس ساعات.. لكن البطل المغربي سعيد بإنجازه ويقول إنه قادر على التعويض في المحطات القادمة.
مكانة مدرسة القفز بالزانة المغربية لدى نظيراتها العربية والأوروبية
أصبحت مدرسة القفز بالزانة المغربية نموذجا يحتدى به في الدول العربية الإفريقية والأوروبية، فرغم فارق الإمكانات المادية واللوجيستية بين كل هذه المدارس إلا أن المدرسة المغربية استطاعت فرض نفسها بفضل الحضور المتميز لمختلف فئاتها في جميع التظاهرات التي تشارك فيها حتى أصبح يضرب بها المثل في تكوين الناشئين والشباب .. وهو ما أصبح يشكل مسؤولية كبير على عاتق الأبطال المغاربة الذين يريدون الحفاظ على هذه المكتسبات بمواصلة التألق وتحقيق الإنجازات.
حلم المشاركة في بطولة العالم والألعاب الأولمبية:
يبقى حلم المشاركة في بطولة العالم لألعاب القوى والألعاب الأولمبية أكبر هدف يضعه البطلان نسرين وسمير نصب أعينهما ويمنيان نفسيهما بتحقيق الحد الأدنى المخول المشاركة في هاتين التظاهرتين الكونيتين بعدما توفقا السنة الماضية في تحقيق أكثر من الحد الأدنى المؤهل لبطولة العالم للفتيان والشبان.
وتقول نسرين وسمير إنهما قريبان من تحقيق هذا الحلم ولا يفصلهما عنه سوى 25 سنتمترا وهو ما يمكن تحقيقه ?تضيف نسرين- إذا توفرت لهما الظروف الملائمة لذلك وأبرزها التوفر على زانات حديثة وإتاحة الفرصة لهما للاحتكاك مع منافسين أقوياء.
العراقيل لن تحد من طموحاتنا:
أثيرت مؤخرا إشاعات عن وجود خلافات بين أبطال القفز بالزانة ومدربهم حسن أوجهو، لكن نسرين وسمير ينفيان ذلك جملة وتفصيلا ويقولان إن ذلك لا يخرج عن نطاق العراقيل التي واجهتهم سابقا وتلاحقهم حاليا .. ودليل أن لا خلاف بينهم وبين مدربهم هو مواصلتهم التدريب تحت إشرافه واستعدادتهم المكتفة للاستحقاقات القادمة.
ويقول أبطال القفز بالزانة إن مثل هذه الإشاعات لن تحد من طموحاتهم ولن تزيدهم إلا تماسكا وإصرارا على مواصلة التحدي حتى بلوغ الهدف المنشود.. خصوصا وأن رئيس الجامعة عبد السلام أحيزون يشد من عضدهم ويؤازرهم وينتظر منهم الكثير في تخصصهم الذي يريد أن يراه في أعلى المراتب العالمية على غرار باقي مسابقات الجري.
رسالة نبيلة للشباب المغربي:
بإنجازاتهم الحالية يدرك أبطال القفز بالزانة أن مسؤوليتهم لا تقتصر على الجانب الرياضي بل يحملون رسالة للشباب المغربي خصوصا منه الذي يرغب في الهجرة خارج أرض الوطن.. وتقول نسرين دينار وزميلها سمير مفهوم إنهما يوجهان رسالة مفتوحة لهذا الشباب كي يؤمن بقدرة تحقيق أحلامه في وطنه وكل ما يلزمه هو المثابرة والعمل الجاد والثقة في النفس خصوصا وأن الأرضية المغربية لا زالت خصبة وقادرة على تقديم يد العون لأبنائها وهو ما لا يمكن توفره في أرض أخرى حتى ولو كانت أوروبا الوجهة المفضلة للشباب المغربي.