في ظل تعاظم الدور الكبير لوسائل الإعلام، وبصورة غير مسبوقة، حتى بات الإعلام يصل الى كل شخص، ومن خلال عدة وسائل، وبأشكال متنوعة ومختلفة ومنها الإعلام المرئي، وبما يحظى به هذا الأخير من حضور جماهيري واسع، ولما له من دور كبير في رسم العديد من صور المعرفة لدى البشر وبسلاحيه الإيجابي والسلبي، وما ينطوي عليه من المواد الإعلامية الكثيرة، والتي يهمنا منها في هذا المقام «الدراما«، ولسنا بصدد دراستها والبحث في تاريخها ومضمونها ومحتواها، فهو بحث طويل وعميق، فقط سوف نتناول جزئية بسيطة لعبت مؤخرا دورا كبيرا وتفاعلا مهما، نافست أبرز قضايا الأمة العربية، مثل فلسطين والعراق ولبنان والسودان وما يحدث في اليمن، ولربما زاد لدرجة أنها نافست حتى القضايا الإقليمية مثل برنامج إيران النووي، والسيناريوهات المطروحة له، إنه مسلسل «نور« وكذلك شقيقه مسلسل «سنوات الضياع«، وما طرحه من حمى المتابعة عند المشاهد العربي وما حققه من أولوية لديه في المتابعة، على الرغم من أنه نسخة ممجوجة ومكررة من الدراما المكسيكية، طويلة الأجل، هذه المسلسلات المفتوحة النهايات والطويلة الأمد، التي وكأنها صممت لتراعي المشاهد العربي في مقدرته على الصبر والصمود، لمتابعة أحداث سلحفائية، تحتاج الى مئات الحلقات. تتعطل لدينا الحياة وتتوقف أثناء ساعات عرض هذه المسلسلات، ويصبح أبطالها محط الاهتمام والجدل والحديث، وفي المجتمع العربي سُجل ما هو أخطر وأسوأ من ذلك، وهو أبغض الحلال عند الله عز وجل، نعم، وهذا ليس مبالغةً أو تهويلا، نساء عربيات طلقن، بسبب إعجابهن بـ«مهند«، أو بسبب إعجاب الزوج بنور، تصوروا! وهذه مجرد شخصيات تؤدي أدوارا مرسومة وكلاما مكتوبا، وهي شخصيات لا نعلم عنها شيئا في حقيقة واقعها، وأحداث برمتها لا تمت الى واقعنا بصلة، ولا حتى الى واقع مجتمعها، الذي تمثله وتنقله إلينا. وليس غريبا إذا اعتبرنا هذه المسلسلات وصنفناها في إطار الغزو الفكري والثقافي الذي بات يهدد هويتنا الثقافية في ظل ما أصبح يعرف بالسموات المفتوحة وما تحمله من بث إعلامي، يكرس مفهوم العولمة، ويطرح بدائل ثقافية وعادات وقيم وتقاليد، بدأت تجد طريقها إلينا سهلة ومعبدة، وتتغلغل في سلوكنا وممارساتنا اليومية، وكأنها نبت شيطاني، دونما أن نلتفت إلى مدى الوعي لدى شبابنا الذي يحصنه أمام هذا الاجتياح، وما يحمله إلينا من فكر طارئ ومعلب ومستورد، لا يصلح للاستهلاك الآدمي. أذكر أن وزير الثقافة الفرنسي في عقد التسعينيات من القرن الماضي، دعا إلى حرب مقدسة ضد الغزو الثقافي الأمريكي، الذي كان يحمله البث الفضائي إلى المجتمعات الأوروبية. ولا أعلم لماذا هذا الضجيج الفارغ الذي نصنعه لشخصيات لمجرد إعجابنا وتعلقنا الطفولي بها، وتنهار البيوت من أجلها، ونحمل محلاتنا أسماءها، وحتى نعبث بأشكالنا، لمحاولة التشبه بها، وتتحول لدينا الى تقليعات وصرعات أبعد ما تكون عن هويتنا، وننجرف وراءها بعبثية تاركين الكثير من الاستحقاقات التي تواجها أمتنا، والتي لا يتناسب معها إلا ما قاله الكاتب والشاعر الإنجليزي وليم شكسبير: «أكون أو لا أكون«، في ظل المشهد العالمي الدقيق الذي يشكل منعطفا حاسما، في تاريخ أمتنا الحديث. وما بقي لديّ هو تساؤل واحد: ماذا فعل لنا مهند، هل حرر فلسطين؟ وماذا فعلت نور، هل حفظت القرآن عن ظهر قلب؟
بقلم:محمد القوتي